19/05/2009

الفوائد البنكية في ظل الأحكام الشرعية...محمد شوقي الفنجري

ذكر بعض الأشخاص‏,‏ علي بعض الفضائيات‏,‏ وعلي فترات متعددة‏,‏ أن كل فائدة علي الاطلاق‏,‏ سواء كانت اخذا أم عطاء‏,‏ هي من قبيل الربا المحرم شرعا‏,‏ والذي توعده القرآن بحرب من الله ورسوله‏,‏ بل افتي بعضهم بتحريم التعامل مع البنوك الوطنية والحكومية بدعوي انها تتعامل بالفائدة الربوية‏,‏ وهو الأمر الذي احدث بلبلة لدي عامة المسلمين‏,‏ وتخوفا لدي البسطاء من أصحاب المعاشات وصغار المدخرين من حملة شهادات الاستثمار واصحاب الودائع الاستثمارية‏,‏ والذين يعتمدون علي عائدها الاستثماري في توفير احتياجاتهم الضرورية وتدبير حياتهم المعيشية‏.‏لذلك تعين التذكير بالحقائق الاتية‏:
‏أولا‏:‏ في سنة‏1903‏ ألفت الحكومة المصرية لجنة من علماء الأزهر لدراسة موقف الشرع من حوافز أو مكافأة التوفير في صندوق توفير البريد‏,‏ وصدر نتيجة لهذه الدراسة‏,‏ نظام خاص لهذا النمط الجديد من انماط الادخار والاستثمار‏.‏وبعرضه علي الامام الشيخ‏/‏ محمد عبده بصفته وقتئذ مفتي الديار المصرية‏,‏ وافق عليه مؤكدا قوله ان الحكمة في تحريم الربا ألا يستغل الغني حاجة اخيه الفقير‏,‏ بخلاف المعاملة التي ينتفع ويرحم فيها الآخذ والمعطي‏,‏ والتي لولاها لفاتتهما المنفعة معا‏,‏ فإنها لاتدخل في معني الربا المحرم شرعا‏.‏وفي هذا السياق سار فضيلة الامام الأكبر المرحوم‏/‏ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق‏,‏ مؤكدا شرعية فوائد دفاتر توفير البريد‏.‏
ثانيا‏:‏ وفي التسعينيات من القرن الماضي‏,‏ أفتي فضيلة الامام الاكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي وقت ان كان مفتيا لجمهورية مصر‏,‏ بشرعية عوائد شهادات استثمار البنك الأهلي المصري‏,‏ حيث انها تمثل مدخرات المجتمع‏,‏ وهي بنص قانونها لاتستثمر إلا في التنمية الاقتصادية للوطن‏,‏ وبعائد مضمون من الدولة‏,‏ ففيها النفع الكبير لكل من الدولة وصغار المدخرين‏.
‏وفي‏28‏ نوفمبر سنة‏2002‏ م الموافق‏23‏ رمضان سنة‏1423‏ هـ اصدر مجمع البحوث الإسلامية‏,‏ وهو أكبر مرجعية إسلامية في العالم‏,‏ فتواه بشأن شرعية العوائد الفوائد التي تؤديها البنوك إلي الافراد الذين يقدمون اموالهم ومدخراتهم لاستخدامها واستثمارها لحسابهم في معاملات مشروعة‏,‏ وقد جاء بها الذين يقومون بتقديم اموالهم ومدخراتهم إلي البنك ليكون وكيلا عنهم في استثمارها في معاملاته المشروعة‏,‏ مقابل ربح يصرف لهم ويحدد مقدما في مدد يتفق مع المتعاملين معه عليها‏,‏ فإن هذه المعاملة بتلك الصورة حلال ولاشبهة فيها‏,‏ حيث لم يرد نص في كتاب الله أو السنة النبوية تمنع هذه المعاملة‏,‏ والتي يتم فيها تحديد الربح أو العائد مقدما‏,‏ مادام الطرفان يرتضيان ذلك‏,‏ وتعود عليهما بالنفع‏.
‏ثالثا‏:‏ بقي الوجه الآخر من التعاملات المصرفية‏,‏ وهو بيان الحكم الشرعي لما تقدمه البنوك من اموال للمقترضين نظير فائدة يتفق عليها‏,‏ وهو الأمر الذي مازال معروضا علي اللجنة الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف‏.‏
وهنا إذا جاز لي إبداء رأي في هذا الخصوص‏,‏ فإنني أري ضرورة التفرقة بين أمرين‏:
‏‏1‏ ـ ان يكون طالب القرض مستثمرا كبيرا ويطلب من البنك إقراضه ملايين الجنيهات بضمان مصنعه أومزرعته أو متجره‏,‏ فلا يعقل ان يعطيه البنك هذه الملايين قرضا حسنا‏,‏ بل للبنك ان يحصل منه علي الفائدة التي يحددها اي نسبة من عائد استثماره لهذا القرض توسعة لنشاطه الاستثماري الذي هو أمر مطلوب ومستحب‏,‏ ثم هو بالخيار بين ان يستغني عن هذا القرض اذا شعر مغالاة في فائدته‏,‏ أو ان يحصل عليه مقابل الفائدة التي حددها البنك‏,‏ طالما قدر أهمية التوسع في نشاطه الاستثماري وانه يحقق له عائدا يفوق الفائدة التي يطالبه بها البنك‏,‏ فالمنفعة عائدة علي الطرفين دون اي استغلال من احدهما للآخر‏.
‏‏2‏ ـ ان يكون طالب القرض شخصا مضطرا‏,‏ ومحتاجا لمبالغ محدودة لسد احتياجات ضرورية طارئة كمستلزمات الابناء في بداية العام الدراسي أو استكمال تكاليف الزواج أو مواجهة حالة مرضية‏,‏ وغيره من الاحتياجات الضرورية الطارئة‏,‏ فإن القرض في هذه الاحوال لايكون إلا قرضا حسنا‏,‏ بحيث لايجوز شرعا أخذ اية فائدة عليه‏,‏ وإلا كان عين الربا الذي توعده القرآن بحرب من الله ورسوله‏.‏والفرق بين الحالين كبير جدا‏,‏ ففي الحالة الأولي طالب القرض شخص غني وغير محتاج‏,‏ وهو يطلبه بمبالغ كبيرة ولأغراض استثمارية‏,‏ فنحن في الحقيقة امام عملية استثمارية يجوز شرعا أخذ فائدة عنها‏,‏ بخلاف الحالة الثانية فطالب القرض هو شخص معوز محتاج‏,‏ وهو يطلبه بمبالغ محدودة ولاغراض ضرورية‏,‏ فلايجوز استغلال حاجته‏,‏ بفرض فائدة‏,‏ وهذه الحالة الثانية هي الحالة الوحيدة المحرمة شرعا‏,‏ والتي تحتاج إلي علاج ومواجهة‏,‏ وهو ما نبينه فيما يلي‏:‏ اذ القرض الحسن شرعا لايكون إلا عن احتياج وبمبالغ محدودة‏,‏ ولاحتياجات ضرورية مشروعة‏.‏
رابعا‏:‏والقرض الحسن هو ضرورة حياتية‏,‏ وهو رغم شدة الاحتياج إليه‏,‏ لايجد سبيلا إلا في نطاق ضيق سواء بين الأقارب لحين ميسرة‏,‏ أو فيما بين الاصدقاء مما يطلق عليه في مصر مصطلح الجمعية‏,‏ أو من خلال مؤسسات معينة كوزارات الأوقاف أو بنك ناصر الاجتماعي في مصر‏,‏ وتقوم الجمعية الخيرية الإسلامية بمشروع القرض الحسن بمد اربعمائة اسرة بقروض للقيام بمشروعات صغيرة تساعدهم لتوفير ربح يساعدهم علي نفقات معيشتهم في الظروف الحالية‏.‏والجديد الذي نطرحه في هذا الخصوص هو إلزام جميع البنوك التجارية بتخصيص نسبة معينة من حسابات عملائها الجارية لديها أي التي تحت الطلب‏,‏ حيث يضعها اصحابها لديها بدون اي فائدة للسحب منها في أي وقت عند الاحتياج‏,‏ وذلك لتقديم القرض الحسن لطلابه المحتاجين‏,‏ بضمان المرتب أو كفالة قريب أو صديق مقتدر وغيره من الضمانات‏.
‏وقد يعترض البعض علي ذلك بدعوي ان البنوك التجارية ليست مؤسسات خيرية‏,‏ ويرد علي ذلك بان لمختلف عملاء البنك حسابين احدهما استثماري يحصل اصحابه من البنوك علي عائد سنوي أو شهري بحسب التراضي فيما يصطلح عليه بالودائع الاستثمارية وهذه في طرحنا الحالي لا شأن لنا بها‏,‏ وانما ما يعنينا هو الحسابات الجارية لدي البنوك‏,‏ وهي بالاحصاء تقدر في مجموعها بالمليارات من العملات النقدية‏,‏ ولاتعطي عنها البنوك أو عائد‏,‏ بل انها تستقل في الاستفادة منها دون اي مقابل من جانبها‏,‏ في حين انها تمثل مدخرات المجتمع التي لافضل لها فيها‏,‏ وقد ثبت بحكم الواقع بالنسبة للحسابات الجارية ان البنوك لاتحتاج كسيولة نقدية لمواجهة سحب اصحابها‏,‏ سوي نسبة تتراوح ما بين‏10‏ و‏15%‏ من مجموع هذه الحسابات الجارية لديها‏,‏ والباقي وهو نسبة‏90‏ أو‏85%‏ مما يمثل مئات الملايين من العملة النقدية‏,‏ هي في حقيقتها مدخرات المجتمع التي لافضل للبنوك فيها‏,‏ وتنفرد بالاستفادة منها دون حق أو مقابل تؤديه لاصحابها‏.‏ومتي استبان ما تقدم‏,‏ فإنه يتعين سواء بالتراضي أو بقوة القانون‏,‏ تخصيص نسبة من الحسابات الجارية لدي كل بنك ولتكن‏40‏ أو‏35%‏ لتقديم القرض الحسن الذي هو ضرورة حياتية‏,‏ ان لم يكن اعمالا لشرعنا الإسلامي‏,‏ فإنه علي الأقل من قبيل الدور الاجتماعي الذي يجب ان تمارسه البنوك‏,‏ ويكفي ان يتبقي لها نسبة‏50%‏ من حسابات عملائها الجارية تستفيد منها دون مقابل‏.‏خامسا‏:‏ هذا ومما يؤكد طرحنا بأنه ليست كل فائدة من قبيل الربا كما يزعم خطأ البعض‏,‏ ان هناك فوائد يقرها الفقه الإسلامي منذ القدم‏,‏ دون ان ينازع احد في شرعيتها‏,‏ ومن قبيل ذلك‏,‏ الغرامات التهديدية في صورة فائدة تقضي بها المحاكم الشرعية علي المدين المماطل لحمله علي الاداء والفائدة التعويضية لمقابلة التضخم ونقصان القوة الشرائية للعملة الورقية‏,‏ والمصاريف الإدارية بنسب ضئيلة محددة علي القرض الحسن‏..‏ الخ‏.‏وجدير بالذكر أنه حدث في عصرنا الحاضر تطور كبير بشأن الفائدة وشرعيتها‏,‏ حيث لم تعد ترتبط بشبهة الربا‏,‏ وإنما هي اليوم من أهم ادوات السياسة النقدية التي لايستغني عنها وتلجأ إليها كل دولة‏,‏ ممثلة في بنكها المركزي‏,‏ سواء بالرفع أو الخفض أو الالغاء بحسب ظروف كل مجتمع‏.‏وهنا نشير إلي نظريتين مختلفتين‏.‏‏1‏ ـ نظرية عالم الاقتصاد كينز والتي يطالب فيها بإلغاء الفائدة أو خفضها‏,‏ وذلك بهدف تشجيع الاستثمار ومواجهة البطالة‏.‏‏2‏ ـ نظرية عالم الاقتصاد مارشال والتي يطالب فيها برفع الفائدة بهدف تشجيع الادخار ومعالجة التضخم وترشيد الاستهلاك‏.‏وهنا دور السياسة النقدية اليوم‏,‏ سواء برفع الفائدة أو خفضها او حتي إلغائها‏,‏ وذلك كله بحسب ظروف كل دولة أو مجتمع‏,‏ وباعتبار مصالحه التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة‏.‏
*** الكاتب أستاذ الاقتصاد الإسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامية
عن صحيفة الأهرام

22/03/2009

من لم يرها لم يعرف عز الاسلام

وصف ابن خلدون مدينة القاهرة سنة‏622‏ بالتمام والكمال‏..‏
فقال لا فض فوه ولا انصرف عنه سامعوه‏.‏ـ
انتقلت إلي القاهرة أول ذي القعدة سنة‏784‏ هجرية‏,‏ فرأيت حضرة الدنيا وبستان العالم‏.‏إنه يسمي القاهرة حضرة الدنيا وبستان العالم‏...
‏ ثم يستطرد فيقول‏:‏
رأيت حضرة الدنيا وبستان العالم‏,‏ ومعشر الأمم ومدرج الذر من البشر‏,‏ وايوان الإسلام‏,‏ وكرسي الملك
تلوح القصور والأواوين في جوها‏,‏ وتزهر الخوانيق والمدارس بآفاقها‏,‏ وتضيء البدور والكواكب من علمائها‏,‏ قد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء يسقيهم النهل والعلل سبحه ويجبي إليهم الثمرات والخيرات ‏ومررت في سكة المدينة وهي تخص بزحام المارة‏,‏ وأسواقها تزخر بالنعم‏,‏ ومازلنا نتحدث عن هذا البلد وبعد مداه في العمران واتساع الأحوال‏,‏ وقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجهم وتاجرهم بالحديث عنه‏.‏
سألت صاحبنا قاضي الجماعة وكبير العلماء بالمغرب
فقلت له‏:‏ كيف هذه القاهرة؟
قال‏:‏ من لم يرها لم يعرف عز الإسلام‏.‏
وسألت شيخنا كبير العلماء عن القاهرة
فقال‏:‏ كأنما انطلق أهلها من الحساب‏..‏
يشير بذلك إلي كثرة الأمم وأمنهم من العواقب‏.‏
وسألت صاحبنا قاضي العسكر بفاس عن القاهرة
فقال‏:‏ أقول في العبارة عنها علي سبيل الاختصار إن الذي يتخيله الإنسان فإنما يراه دون الصورة التي تخيلها لاتساع الخيال عن كل محسوس إلا القاهرة‏,‏ فإنها أوسع من كل ما يتخيل فيها‏.
‏هذه هي القاهرة كما وصفها ابن خلدون‏.
مقال لأحمد بهجت
نقلاً عن صحيفة الأهرام في 15/3/2009

11/03/2009

من كل شيطان وهامة

كانت العرب تعتقد في أيام الجاهلية وصدر الاسلام أن روح القتيل تصير طائراً يحوم حول أهله صائحاً " اسقوني" حتي ياخذ بثأره ، وكانت العرب تسمي هذا الطائر الهامة، ربما لاعتقادهم بأنه يخرج من رأس القتيل. كذلك تسميه طائر الصدى، والصدى تعني فضلاً عن رجع الصوت العطش .
يقول الدميري في كتاب " حياة الحيوان الكبري" أن الهامة هي ذكر البوم من طيور الليل ويرتبط في بعض الحكايات بالقتيل ولا يقتصر في بعضها الآخر عليهن حيث تزعم العرب أن الانسان اذا مات أو قتل تتصور نفسه في صورة طائر تصرخ علي قبره مستوحشة لجسدها .

نقلاً عن رواية أطياف لرضوي عاشور

03/03/2009

حجة الحجاج... أحمد بهجت

كان الحجاج بن يوسف الثقفي طاغية قد أوتي القدرة علي المغالطة‏,‏ وكان قادرا علي أن يسوق مغالطاته بحيث تجيء مستندة إلي الحقائق المقنعة‏..
‏ يحدثنا التاريخ أن الحجاج قتل الشهيد عبدالله بن الزبير‏,‏ ولم يكد يفعل ذلك حتي ارتجت مكة بالبكاء والعويل وأمر الحجاج بالناس فجمعوا له بالمسجد ثم صعد المنبر فحمد الله وأثني عليه وقال‏:‏ـ يا أهل مكة بلغني بكاؤكم واستفظاعكم قتل عبدالله بن الزبير‏,‏ إن عبدالله بن الزبير كان من أخيار هذه الأمة حتي رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها‏,‏ وخلع طاعة الله واستكن إلي حرم الله‏.‏ولو كان شيئا مانعا من القضاء لمنع آدم حرمة الجنة لأن الله تعالي خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته‏,‏ وأباحه جنته‏,‏ فلما كان منه ما كان أخرجه من الجنة بخطيئته‏.‏وآدم أكرم علي الله من عبدالله بن الزبير‏,‏ والجنة أعظم حرمة من الكعبة فاذكروا الله يذكركم‏.‏
تأملوا مغالطات الحجاج ومنطقه الظالم الذي يلفه في بيان ناصع وحجة قوية‏..‏ إنه يقول للناس إنه ليس مسئولا عن قتل عبدالله بن الزبير لأن الذي قتله هو رغبته في الخلافة ومنازعته أهلها في ذلك‏.‏ويقيس الحجاج الظالم ما فعله عبدالله بن الزبير بما فعله آدم‏,‏ وكيف كانت خطيئته سببا في إخراجه من الجنة‏.
‏والحقيقة أن الحجاج كان مكروها من الناس بسبب ظلمه‏,‏ وكان الرجل يحس بهذا‏,‏ ولهذا قال وهو علي فراش الموت اللهم اغفر لي فإنهم يقولون إنك لا تفعل‏,‏ وبسبب كراهية الناس له حوروا كلماته ونسبوا إليه قوله اللهم اغفر لي وما أظنك تفعل‏(‏ إشارة إلي يأسه من رحمة الله‏)
.‏لقد حدث بعد موت الحجاج أن جاء رجل إلي الحسن البصري فقال له‏:‏ إني حلفت بالطلاق أن الحجاج بن يوسف الثقفي في النار فماذا تقول في ذلك؟ هل أقيم مع امرأتي أم أعتزلها‏..‏ قال البصري قد كان الحجاج فاجرا فاسقا وما أدري ما أقول لك‏..‏ إن رحمة الله واسعة
‏وحار الرجل في أمره وانتهي به الأمر إلي قول عالم له‏:‏ أقم مع زوجتك فإن الله تعالي إن غفر للحجاج لم يضرك الزنا‏.
عن جريدة الأهرام عدد 3/3/2009

26/02/2009

ويحب ناقتها بعيري

إن كنت عاذلتي فسيـري نحو العراق ولا تحوري
لا تسألى عن جل مالـي وانظري كرمي وخيري
وفوارس كأوار حر الناراحــلاس الـذكــور
شـدوا دوابـر بيضهـم في كل محكمـة القتيـر
واستـلأمـوا وتلبـبـوا ان التلـبـب للمغـيـر
وعلى الجياد المضمرات نوارس مثـل الصقـور
يخرجن من خلل الغبـار يجفـن بالنعـم الكثيـر
أقررت عيني من أولئـك والفـوائـح بالعـبـيـر
واذا الريـاح تناوحـت بجوانب البيـت الكسيـر
ألفيتنـي هـش اليديـن بمري قدحي أو شجيري
ولقد دخلت على الفتـاة الخدر في اليوم المطيـر
الكاعب الحسناء ترفـل في الدمقس وفي الحرير
فدفعتـهـا فتـدافـعـت مشى القطاة الى الغديـر
ولثمتـهـا فتنـفـسـت كتنفس الظبـي الغريـر
فدنت وقالت يـا منخـل ما بجسمك مـن قـرور
ما شف جسمي غير حبك فاهدئي عنـي وسيـري
واحبـهـا وتحـبـنـي ويحـب ناقتهـا بعيـري
ولقد شربت من المدامـة بالصغـيـر وبالكبـيـر
فـإذا انتشيـت فإنـنـي رب الخورنق والسديـر
واذا صحـوت فإنـنـي رب الشويهـة والبعيـر

يـا هنـد مـن لمتـيـم يا هند للعانـي الاسيـر
يعكفـن مثـل أســاود التنوم لم نعكـف بـزور

المنخل اليشكري

في شتاء بعيد في اوائل التسعينات كنت أستذكر دروسي علي صدي هيئة الاذاعة البريطانية عندما استوقفني صوت محمد سليمان وهو يردد بيت شعر استلفتني للغاية : وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري
ياللعجب ، كم هو مرهف الحس ذلك الشاعر الغابر، انه يجعل حبه مصدراً لعدوي الحب لمن حوله حتي أن بعيره يلتقط تلك العدوي ويغرم بناقة محبوبة سيده ، فلو أن شاعرنا كان من عصرنا الحالي لقال وأحبها وتحبني ويحب سيارتها توكتوكي
دفعني هذا البيت للبحث عن قائله خاصة أني لم التقط اسمه من المذياع، وبعد فترة سمعت أحد مدرسي اللغة العربية يردد نفس البيت ناسباً إياه لقيس بن الملوح وهو ما لم يرق لي مطلقاً، فقيس لم يكن يملك هذا القدر من الثقة بالنفس وفي حب ليلي له - ناهيك عن كونها تزوجت غيره - ومن ثم لا يمكن أن يكون قد قال مثل هذا البيت.
وتمر أيام كثيرة تاه خلالها البيت من ذاكرتي حتي لفتني اسم شاعر من أصحاب القصيدة الواحدة - بالمفهوم الحديث يمكن القول علي حميدة صاحب لولاكي وبس - كان اسمه المُنٌخلٌ اليشكري...وما استوقفني هو أن الكاتب قد وضع بين شرطتين لا تعني الغربال !!
قرأت القصيدة وأعجبني جرسها الموسيقي والصور الهزلية اللطيفة التي زينت المعاني العاطفية المشبوبة، حتي كانت اللحظة التي قال فيها وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري...فقلت ها أنت ذا أيها الشاعر المجهول
بحثت بجهد - قبل عصر الانترنت والويكيبديا- عن تفاصيل حول ذلك المنخل وبالكاد عرفت أن جهداً كبيراً قد بذل لمحو كل أثر للشاعر والانسان، فقط صمدت هذه القصيدة وتناقلها الرواة لفائق جمالها وروعتها.
والقصة أن المنخل كان شاباً اجتمعت وسامته بموهبته الشعريه سعي إلي بلاط الملك النعمان بن المنذر ملك الحيرة الشهير حتي يمتدحه لينال من العطايا، وكان له ذلك فصار من ندماء الملك، وتختلف الروايات بعد ذلك في سبب نقمة النعمان عليه ولكن أغلبها تشير إلي ما عرف عن النعمان من غيرة شديدة علي زوجته ماريه بنت الأسود المعروفة بالمتجردة، التي دفعته لاهدار دم شاعره المفضل النابغة الذبياني بعد أن طلب منه أن ينظم قصيدة غزل في المتجردة، ولما سمعها ندمائه قال بعضهم ان من ينظم بهذه الروعة لا يد وأن يكون عاشقاً حقيقياً، فاشتاط غضب النعمان وقرر قتل النابغة الذي لاذ بالفرار.
تشير روايات إلي أن المنخل ذاته هو صاحب تلك الوشاية للتخلص من النابغة أهم منافسيه فأوغر صدر النعمان عليه ، وتشير روايات أخري إلي أنه كان عاشقاً للمتجردة وأشعلت القصيدة غيرته.
وفي المجمل فإن المنخل صار ذو حظوة في بلاط النعمان وصارت له علاقة حميمة باحدي نسائه المتجردة زوجته أو هند ابنته، وفيها نظم قصيدته الشهيرة التي ما أن سمع بها النعمان حتي قضي عليه.
ومجدداً تختلف الروايات فهناك من يقول أن النعمان قد وجده في مخدع المتجرده فأمر به فدفن حياً، وهناك من يدعي بأن النعمان نهشته الغيرة ولم يدرك أن القصيدة مجرد تخيلات لمخمور فأمر بالمنخل فضربت رأسه وأحرق ، وفي الحالتين لم يعثر له علي أثر حتي صار مضرباً للأمثال في الاختفاء وصارت العرب تضرب به المثل في استحالة الاياب. يقول النمر ابن تولب:
وقولي اذا ماطلقوا عن بعيرهم تلاقونه حتى يؤب المنخلِ ( أي في المشمش )
وهكذا كانت نهاية شاعر صرنا نجهل عنه أكثر بكثير مما نعلم

24/02/2009

فــلـيـكـن

حلق دوق فليد عالياً علي متن جراندايزر متأهباً لملاقاة الخطر الجديد القادم من النصف المظلم للقمر لكنه يفاجأ بأن قائد المركبة الغازية ليس إلا "روبينا" عروسه التي فرق غزو فيجا لفليد بينهما وجعله يظن أنها ماتت وهي تحتج علي أمر أبوها لقواته باجتياح كوكب فليد ، لكنه الأن يرأها رأي العين في مقصورة القيادة لمركبة فضاء تحمل شعار أميرة فيجا.
لكن الدوق يعلم أن قلبه قد دفن في تراب فليد إلي جوار والديه ومواطنيه الذين قضوا أمامه دون أن يستطيع أن يرد عنهم العدوان ، ومن ثم فهو يتبع الاجراء الروتيني ، التحذير ثم الهجوم ، لكن وقع المفاجأة كان علي روبينا أشد لدرجة لم يتوقعها هو ، لقد تواجهت مقصورتي القيادة لتراه أمامها رأي العين وكانها استعادت قلبها الذي شيعته منذ زمن ولم تزل تنتحب
دايسكي00هل هذا أنت ؟؟ هل أنا أحلم ؟ أهذا دوق فليد ؟؟
نعم هذا دوق فليد يا أميرة فيجا نحن الأن في حالة حرب ، عليك بالابتعاد أو مواجهة خطر الموت
دايسكي هذه أنا روبينا ، أنك لم تزل علي قيد الحياة ولم تمت في تلك الحرب الغاشمة ، يا لسعادتي لرؤيتك ، كأن الروح تبعث في جسد ميت منذ دهور
أكرر ..هذا انذار أخير ابتعدي وألا ستواجهين الخطر هذه حالة حرب
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول بصوت متهدج
دايسكي ..انني.. أشعر...كأن..
عذرا يا أميرة فيجا.
قالها وهو يضغط أزرار مقعده اليسري لتنطلق أشعة الليزر المذيبة من رشاشه الصاهر لتذيب مضخات الطاقة الاحتياطية لمركبتها مما جعل الانذار يندلع داخلها ويحول القيادة إلي الطيار الآلي الذي وجه المركبة في مسار العودة نحو قاعدة القمر الأسود ، حاملة من وجدت حلم قديم لكن في حلة مخيفة.
حينما عاد دايسكي إلي المختبر كان وجهه متجهما حتي أنه لم ينطق بكلمة وهو يغادر المكان علي متن دراجته النارية ونظرات د.أمون ومعاونيه تشيعه في استغراب.
في المزرعة وتحت الصفصافة المفضلة لديه كان دايسكي يعزف علي جيتاره أغنية لم يعزفها علي هذا الكوكب من قبل " تحت شمس فليد عدنا والتقينا00تحت شمس فليد كانت أجمل الأيام" وعلي بعد كانت هيكارو ترقبه في قلق وهي تخاطب كوجي عبر ساعة التخاطب الفائق ، وفي المختبر كان كوجي يسأل أمون عن سبب هذه الحالة الغريبة التي لم يمر بها دايسكي طوال مواجهاته العنيفة مع غزاة فيجا ، وأخبره أمون عن هوية روبينا .
عند الفجر كان المختبر يتلقي رسالة من مركبة تقترب من الأرض
- " إلي دوق فليد ..هذه روبينا ، أنا هنا للقائك ، أرجوك دعنا نتحدث علي الأقل ،أنت تدرك أنني ليس لي أي علاقة بما فعلته جيوش أبي ، أنني خائنة في نظره وليس لي ملجأ الأن سواك "
لم يضع دايسكي وقتاً هذه المرة ، فكأنما كان القرار قد حسم في أعماقه ، وفي الفضاء كانت مواجهة أخري ولكن مرأي مركبة من صنع فيجا أشعل الخطر في داخله علي الرغم من أن القمرلم يكن أحمر في هذه الليلة
وعلي رمال الصحراء هبطت المركبتان وتواجها وجها لوجه لأول مرة منذ سنين تأكدا كليهما من أن الأخر صار من عالم الموتي ، وحالما نزعا غطائي الرأس كانت الدموع تلمع في المآقي لكن فراق السنين لم يكن ليذوب دون أثر في ثوان
في داخل دايسكي كان الصراع ، هل يستسام لعواطفه التي تقسم بأن روبينا صادقة وأنها هي روبينا التي هام بها وفرقت الحرب بينهما ، وبين عقله الذي يتمسك بمسئوليته كجندي يدافع عن كوكب ويري أن احتمال الخدعة لا يمكن تهميشه بأي حال من الأحوال وهو لم ينس بعد أمه الزائفة التي كادت تفتك به لولا تدخل كوجي

كان الصراع في أعماقه سجال لكن نظرة جديدة إلي عيني روبينا الملهوفة كانت تحسم الصراع ، لكن علي طريقة جديدة فعقل يسيطر علي مشاعر ويترك لها الحرية بشروط ، ومن ثم كانت الكلمة التي حسم بها الموقف " فليكن " !! وترك نفسد يندفع نحوها ويحتوي جسدها المرتعش بين ذراعيه وهنا كان الرد ...انهالت خيوط الليزر من كل مكان عليه فدفع بروبينا بعيداً وهو يقول كنت أعلم !!

ركض وهو يتفادي هجوم صحون المينيفو ببراعة حتي قفز داخل مقصورة جراندايزر وأقلع به ، لم يدرك أنه يقاد لفخ جديد فما أن تراجعت الصحون حتي كان فخ يطبق عليه ويتركه معلقا بين أحزمة الطاقة الفائقة . ولم يكن هناك مخرج!!
لكن النجاة كانت من روبينا التي استغلها قواد أبيها كطعم لعدوهم ، فهاهي تقلع بمركبتها وتتجه بها نحو قاعدة حزام الطاقة الرئيسي لترتطم به وتطلق سراح الدوق لكن علي حساب مرمبتها التي لم تتحمل فيض الطاقة فانفجرت
هاهي قصة حب أخري تذهب طغمة للكراهية
فليكن

ماوراء الكون
ابـنـة فـيـجــا

22/02/2009

أمل ومشاعر

"مشاعر"... هذا هو الاسم الذي منحته إياه جدتها
تلك المرأة التي كانت لها أباً وأماً وعائلة
كان هذا هو اسمها الذي لم تعرف أحداً سواها يحمله
كانت تجذب الاهتمام باسمها ، ولا تكاد تفقد هذا الاهتمام بعد ذلك مطلقاً
فاسمها لم يكن الشئ الوحيد المميز لديها ، كانت بارعة الجمال ...جمال لم تعرف من أين ورثته ، خاصة عندما تري أن جدتها لم تكن مصدراً لتلك العيون ،ولا هذه الملامح.

فتاة لها اسم متميز ، وجمال آخاذ ...فماذا ينقصها ؟
عقل ذكي...كانت هذه هي المفاجأة التي تحتفظ بها للجميع . فالقاعدة تقول أن أجمل النساء هن أكثرهن غباءًا . فليس من العدل أن تكون المرأة شديدة الجمال ،وألمعية الذكاء في ذات الوقت. حتي أن كتب التاريخ عندما تشير إلي امراة جميلة وذكية تعدها من أعاجيب الزمان.
كانت "مشاعر" واحدة من نلك الأعاجيب ولا غرو.
عندما كانت طالبة في المدرسة الثانوية كانت من أوائل الطالبات ليس فقط في الدراسة ، بل أيضا في الرسم والموسيقي وحتي في الرياضة.
كانت محط أنظار الجميع ، وموضع حسد الغالبية العظمي من زميلاتها
لذا كادت تكون بلا صديقة ، تقريباً بلا صديقة من زميلاتها. الوحيدة التي كانت تعتبرها صديقة لها كانت مدرسة شابة تكبرها بأعوام قليلة درست لها الشعر العربي .
كانت بداية الصداقة عندما ذهبت"مشاعر" لها طالبة العون في اعداد بحث عن أهم شعراء الدولة الأندلسية ، وتكررت لقاءاتهما وتوطدت من خلال مناقشة أبيات الاشبيلي وابن هود والرندي.
وكانت نقطة التماس عندما طلبت منها المدرسة أن تلقي في حفل مدرسي أبيات من نونية أبي الطيب الرندي الشهيرة ، فلما قرأت " مشاعر " أول بيت بدأت الدموع تطفر من عينيها ، وما كادت تنتهي حتي أجهشت بالبكاء
لكل شئ اذا ما تم نقصان فلا يغتر بطيب العيش انسان
لم تفهم المدرسة سبب تأثر " مشاعر" الشديد ، واعتبرته من فرط احساسها المرهف
لكن " مشاعر" ذاتها لم تدرك سبباً لهذا التأثر ولتلك الدمعات
وهكذا ظل حالها لسنوات وسنوات ، تعرف فقط أن هذا البيت يبقي قادراً علي استدرار دموعها كلما سمعته.
مرت الأيام وانتهت " مشاعر" من دراستها الثانوية بتفوق كبير ، وكما خططت كانت تلتحق بكلية الاعلام علي الرغم من معارضة جدتها التي رأت في ذلك اهداراً للمجموع الكبير.
لكن " مشاعر" كانت تعرف جيداً ما تسعي إليه.
في الجامعة تكرر سيناريو مشابه للمدرسة
تفوق كبير وحضور طاغي جعلها محط الأنظار وموضع الحسد ، لكن ذكائها المعتاد جعلها تؤثر الابتعاد عن المعجبين والحاسدين ، وتبقي تركيزها محصوراً في دراستها.ٍ
جميلة هي .. لا خلاف علي ذلك
ذكية أيضا... ليس هناك شك
انهت " مشاعر" دراستها في كليةالاعلام ، وكان هدفها التالي هو العمل بالاذاعة
دقيقة هي في تحديد أهدافها
أمضت أياماً تتدرب ،وأياماً تذاكر ،وأياماً تعيش كمذيعة
وجاء موعد امتحان المذيعين الجدد
وقتها كان الممتحنين يجمعون أن وظيفة المذيعة تكاد تكون قد اخترعت كي تناسب قدرات " مشاعر" التي خلبت لبهم.
جميلة هي ...
ذكية هي...
متفوقة هي...
فور بدأت عملها كانت خطوتها كمسيرة يوم لباقي زملائها ، وضعت لنفسها معايير صارمة للعمل ، وللتعامل ...
فهي كما هي ...جميلة ...متفوقة...ذكية
تتجمع الأنظار حولها أينما كانت ووقتما جاءت
لكن ألا يثير هذا اعجاب الرجال كما يثير غيرة النساء ؟
الغريب أن هذا كان يخيف الرجال أكثر من يثير اعجابهم ، فالرجل قد يعجب بالمراة لأنها جميلة أو ذكية ، أو متفوقة
لكن ليس لكونها تملك كل هذه الصفات... فامراة بكل هذه الصفات تصبح كابوساً لأي رجل ...فعندما يجد الرجل المراة الكاملة يصبح مسحوراً بها ، مشدوداً إليها ، غير قادر علي مفارقتها أو منع نفسه من الاحتياج إليها... وعندها يفقد أهم ماتمنحه المراة للرجل...الشعور بأن هناك من يحتاجه بشكل لا حد له.
" ... المراة الكاملة نوع من أشد أنواع الرعب طراً ، فهي فتاة الأحلام التي تملك كل ما تمنيته ، بل تزيدك عليه أشياء لم تعرفها ، ولم تدرك أهميتها ، فقط تحس بضروريتها عندما تتعرف علي تلك الفتاة الحلم.
هنا يكون الكابوس الذي لا فواق منه ، والداء الذي لا علاج له...فلأن هذه المراة الكاملة والفتاة الحلم من شبه المستحيل العثور عليها ، فإن احتمال فقدها يصبح كارثة
هي كابوس لاحتمال أن يكون هذا الكمال مجرد صورة تتبدد وتختفي بعض برهة
وأشد أسباب هذا الرعب أن تكون كاملة حقاً فتكشف للرجل مدي ضآلته أمامها فيكره ذاته ، ويسعي بكل ما أوتي لتشويه هذا الكمال... " .
أدركت " مشاعر" هذا مبكراً جداً ... لكن هذه المره أدركته من خلال جدتها ، هي التي غرست فيها منذ الطفولة تلك المعاني التي صاغتها " مشاعر" بعد سنوات في تلك السطور ، ولكم أثبتت لها الحياة صحة هذا المعني ودقة الكلمات ، وأن الخبرة التي حصلت عليها جدتها بعد أن شابت ذوائبها ، وانحسرت فيها جذوة الحياة ، صارت ملكاً لها وهي لا تزال في ريعان الصبان ، وتلك مزية لا تقدر بمال
هكذا كانت "مشاعر" تقرر منذ بدأ عقلها في النضوج أن هدفها الاسمي في الحياة ألا يكون لها نصيب من اسمها ، أن تحيا بلا " مشاعر" أيما كانت.
نحو أي شخص كان... قريب...زميل...صديق
خلال تلك المرحلة المبكرة كان الصراع مشتعلاً بين جوانحها ، والفرقاء المتشاكسين داخلها
عقلها ضد جمالها... الحسناء المبهرة أمام الذكية المتفوقة ، لم تكن صيغة الحسناء الذكية متاحة في ذلك الوقت
حاولت كثيراً أن تتمرد علي ما يفرضه عليها عقلها ، لكن تلك الثورات المتتالية لم تفلح في ازاحة سيطرة العقل .
لكن تلك السيطرة الشديدة بدأت تتراخي شيئاً فشيئاً مع مرور الأيام ، خاصة بعد أن أصبحت "مشاعر" هي المذيعة رقم واحد بدون منافسة ،وفي أقل فترة ممكنة
كانت ثقتها في نفسها قد بلغت عنان السماء ، وأدركت حينها أن طغيان العقل علي العواطف كان بسبب فرط الخوف من التعرض لصدمات العواطف التي لا فكاك منها
حينما وصلت إلي هذا الاقتناع ، أدرك الجميع من حولها أن "مشاعر" بدأت تكتسب شيئاً من اسمها
وعلي الرغم من ذلك فلم يتشجع أحد علي محاولة التقرب منها
ولكم أثار استغرابها هذا الوضع ، كانت تعتبر نفسها دوما مدينة محرمة علي الرجال ، مختفية في مجاهل الصحراء ، تحيطها أسوار عالية ، تبعد أي متسلل ، وتعيق أي اقتراب ، لكن ماذا بعد أن فتحت المدينة أبوابها ، وأعلنت عن وجودها ؟
لماذا لم يأتي أحد ؟
ذهبت إلي جدتها وبكت علي صدرها ، وحكت لها ما يدور بداخلها ، معتقدة أنها ستلفي كلمات الدعم والتشجيع
لكن كلمات جدتها جاءت صارمة بشكل مخيف ، قالت أن المدينة يجب أن تبقي محرمة ، والأبواب يجب أن تظل موصدة ، والأسوار كما كانت عالية
سألتها لماذا ؟ فكان جوابها بيتاً من الشعر
لكل شئ اذا ما تم نقصان فلا يغتر بطيب العيش انسان
هنا جفت الدموع في مقلتي " مشاعر" وبدا كانها تذكرت شيئاًَ لم يخطر ببالها منذ زمن ، وفجأة عاد الحاكم القديم ليقمع المتمردين ويستعيد سيطرته علي المدينة ، عاد سلطانالعقل ليخمد ثورة المشاعر.
أدرك الجميع مرة أخري أن " مشاعر" عادت لتفقد أي نصيب من اسمها ، عادت لتصبح الآلة العملاقة ، الروبوت الخارق ، الذي يرجع سر تفوقه لافتقاره إلي أهم عيوب البشر ...المشاعر.